السبت، 11 يونيو 2011

فجر جديد في الشرق الأوسط بعد الهيمنة الأميركية

كتب: Ray Takeyh - Int'l Herald Tribune

خاض الشعب العربي صراعات دموية هائلة ضد الأنظمة الاستعمارية، وقد تعاطف مع كلّ من دعا إلى الحيادية عن القوى التي شاركت في الحرب الباردة، ولطالما عبّر عن تضامنه مع المقاومة الثورية في دول العالم الثالث… وربما نشهد الآن وصول حقبة تقرير المصير، لكن من المتوقع أن تترافق هذه الحقبة مع مجموعة جديدة من التحديات والمخاطر.
في ظل الصعوبات التي تواجهها واشنطن في التعاطي مع ربيع العرب، يبدو أن الشرق الأوسط يتجه نحو حقبة ما بعد الهيمنة الأميركية، فلم يعد الحلفاء والخصوم في المنطقة يأبهون باعتراضات الولايات المتحدة، ومع الاتجاه نحو تحولات جذرية تامة في الشرق الأوسط، ستواجه الولايات المتحدة صعوبة أكبر في تهدئة مخاوفها الأمنية التقليدية مثل نزع أسلحة إيران أو إعادة إحياء عملية السلام بين العرب وإسرائيل.
لنقم بجولة عامة في المنطقة:
ظاهرياً، ما من معطيات جديدة متعلقة بالعدائية الإيرانية أو السورية تجاه الولايات المتحدة، فلطالما تجاهل النظام الديني الإيراني المطالب الأميركية، وهو يبدو مصمماً على تصنيع قنبلة بأي ثمن. ولطالما كان النظام السوري متردداً في موقفه، لكن لم تتحول التعهدات التي أطلقها بشأن اتخاذ مواقف معتدلة من الإدارات الأميركية المتلاحقة إلى واقع ملموس.
في مطلق الأحوال، ونظراً إلى التغيرات الحاصلة في المنطقة، لم تعد استراتيجية التواصل الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وهذين البلدين ممكنة الآن. يشعر رجال الدين الذين يحكمون إيران بوجود فرصة لفرض سلطتهم على منطقة مضطربة، لذا هم لن يقبلوا بتقديم التنازلات وفق المطالب الأميركية. في دمشق، لم يعد سلوك بشار الأسد مقبولاً نظراً إلى حملات القمع الوحشية التي يشنها ضد مواطنيه، وفي حال نجح في الصمود، فسيتبخر “الخيار السوري” الذي يقضي بأن تتبادل إسرائيل وسورية الأراضي مقابل السلام.
طوال 60 سنة تقريباً، لطالما اعتمدت المملكة العربية السعودية على الولايات المتحدة لضمان أمنها، ولطالما كانت العهود بالتضامن تخفي علاقة غريبة بين نظام ديمقراطي ليبرالي ونظام ملكي تقليدي، لكن سرعان ما تعززت معادلة “النفط مقابل الأمن” عبر تحالف أقوى صبّ ضد مصالح خصوم مشتركين، بدءاً من الشيوعية السوفياتية ووصولاً إلى النزعة التعديلية التي تبناها صدام حسين.
اليوم، تنظر الرياض وواشنطن إلى المنطقة من زاوية مختلفة. فربيع العرب الذي بث الأمل في نفوس الغربيين كونه ينذر بنشوء أنظمة في الشرق الأوسط تستجيب لمطالبه يُعتبر، من وجهة نظر السعوديين، تهديداً على وجودهم.
لا تكتفي الرياض بالتشكيك بمنافع التحالف الأميركي، بل إنها بدأت تبتعد عن هذا التحالف أيضاً، وفي حين تعيد المملكة العربية السعودية النظر بسياستها الأمنية، قد تستنتج أنها مضطرة إلى الاتكال على مواردها الخاصة وعلى تحالفاتها مع دول تشاركها الرؤية نفسها بدل التمسك بالولايات المتحدة التي أصبحت، من وجهة نظر السعوديين، غير موثوقة. ومن المتوقع بروز خيارات بديلة لشراكات خارجية جديدة مع الصين أو مجموعة من الأنظمة الملكية العربية المحافظة، أو حتى أي بلد مستقل يردع الانتشار النووي.
يسود قلق شديد في واشنطن بسبب قرار السلطة الفلسطينية السعي إلى إعلان دولة خاصة بالفلسطينيين في الأمم المتحدة. لقد خسر الفلسطينيون في “نضالهم المسلّح”، ولكنّ فكرة أن الحوار الذي تقوده الولايات المتحدة يمكن أن يخفف العبء عنهم لم تعد تقنع معظم الفلسطينيين.
ومن المستبعد أن تجد الولايات المتحدة أي عزاء لها في الأنظمة الديمقراطية الناشئة مثل العراق ومصر. إذ يصعب على القادة الذين يحرصون على خدمة مصالح شعبهم للحفاظ على مناصبهم خدمة الأولويات الأميركية أيضاً، ويزداد هذا الأمر صعوبة بفعل الرابط المثبت بين النزعة القومية والديمقراطية.
بدأت هذه المشاعر تتضح في العراق، وفي الوقت الذي يبدي فيه الرأي العام العراقي معارضته لاستمرار الوجود الأميركي، من المستبعد أن يعمد السياسيون، الذين يسعون إلى كسب الأصوات ضمن بيئة انتخابية ترتفع فيها حدة المنافسة، إلى تحدي تلك المشاعر القومية السائدة.
كذلك، بدأت مصر، بعد أحداث ميدان التحرير، تتحدى الولايات المتحدة منذ الآن عبر تجديد العلاقات الدبلوماسية مع إيران. لقد كانت عدائية مصر تجاه إيران من صنع الرئيس حسني مبارك، أما النظام المصري الناشئ، فلا يرى سبباً وجيهاً للحفاظ على العداوة التي أنشأها الرئيس المخلوع تجاه نظام يتمتع بشعبية واسعة في الشارع العربي.
لا يعني ذلك أن الأنظمة الديمقراطية الجديدة ستقطع علاقتها بالولايات المتحدة، ولكنّ سياساتها قد تتعارض مع المعايير الأميركية.
هذا الميل إلى الابتعاد عن الهيمنة الأميركية يعود إلى ما قبل عهد إدارة أوباما، ومن المتوقع أن تمتد تشعباته إلى ما بعد عهده بفترة طويلة.
مع تراجع نفوذ الولايات المتحدة تدريجاً وتدهور نظام تحالفاتها، ستتراجع قدرة الأميركيين على تحقيق عدد من أهدافهم، فربما لا تملك واشنطن أي ورقة ضغط فاعلة لمنع النظام السوري من الاعتداء على مواطنيه، أو إجبار إيران على قمع طموحاتها النووية، أو ردع السعوديين أنفسهم عن تصنيع قنبلة خاصة بهم.
قد يكون الشرق الأوسط في حقبة ما بعد الهيمنة الأميركية أكثر ديمقراطية على بعض المستويات، لكن ستزيد فيه حتماً الاضطرابات والفوضى.
كان النضال المركزي في الشرق الأوسط، خلال القرن الماضي، يتمحور حول السعي الحثيث إلى التخلص من الخصومة مع بعض الجهات ومن هيمنة القوى العظمى. هذا الشعب خاض صراعات دموية هائلة ضد الأنظمة الاستعمارية، وقد تعاطف مع كلّ من دعا إلى الحيادية عن القوى التي شاركت في الحرب الباردة، ولطالما عبّر عن تضامنه مع المقاومة الثورية في دول العالم الثالث.
ربما نشهد الآن وصول حقبة تقرير المصير أخيراً، لكن من المتوقع أن تترافق هذه الحقبة مع مجموعة جديدة من التحديات والمخاطر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق